ست سنوات على المعهد، ماذا بعد؟

لقد انقضت لحدود اللحظة ست سنوات عن إعلان تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يوم 17 أكتوبر 2001، وقد سالت الأقلام في تعداد منجزاته وما تخلف عن إنجازه. كل يقيم من موقعه. وسنحول من جانبنا الإدلاء برأي حول هذه الحصيلة التي يريد لها البعض أن تحصر داخل المعهد وداخل مشروعيته، بدل إدراجها في السياق العام الذي أفرز ضرورة تأسيس المعهد وما فرض محدودية حصيلته.لا بد أنكم تتسائلون، كما نتسائل نحن، ماذا وقع للحركة الأمازيغية ولماذا تراجعت دينامية نضالها المشهود بها طيلة عقد التسعينات، رغم حدوده. ولابد أنكم تشعرون بالحسرة، مثلنا، ان ثلاثة عقود من وجود الحركة ونضالها واعتدالها وما قدمته من تضحيات (منع الأنشطة، محاكمات واعتقالات واختطاف.) لم يشفع للثقافة الأمازيغية لدى حاكمين كل همهم ترسيخ حكمهم الفردي والاستبدادي والذي يخدم ويحرس مصالح نظام اجتماعي/ اقتصادي يفيد قلة ويقصي أغلبية ويرميها في مهاوي البؤس والأمية والشقاء والجهل.وجود هذه التساؤلات لدى مناضلي الحركة_ حتى بغياب أجوبة شافية- دليل على سلامة طويتهم النضالية. لكن سلامة الطوية لا يكفي لانتشال الحركة والقضية من مأزق حاصرتهما فيه الملكية. مسعانا في هذه الورقة، إطلاق نقاش جماعي بنفس ديمقراطي لايقيم لجبر الخواطر أي مكان مبني على النقد والنقد الذاتي (طبقا لشعار الحركة التاريخي “الوحدة في التنوع”)، باعتباره المدخل الأساسي في نظرنا لتقويم مسار الحركة وإعادة إطلاق دينامية نضالية وسطها.

نهاية مخزية لنضال نخبوي

نتفق وإياكم، أن النضال المطلبي للحركة الأمازيغية عرف انطلاقته بتوقيع ميثاق أكادير 1991، المتضمن المطالب التاريخية لهذه الحركة: الدسترة والتعليم والإعلام. وانطلقت فورة ثقافية ومطلبية استمرت طيلة عقد التسعينات، حيث تكاثرت فروع الجمعيات الوطنية (تماينوت، أمريك..) وتأسست جمعيات محلية وتطورت سيرورة التنسيق الجهوي والوطني. وتوسعت دائرة تأثير صحافة الحركة التي تطعمت بإصدارات جديدة (تاسافوت، تماكيت، أدرار، تيفاوين، أمزداي..) إلى جانب الإصدارات الشعرية والنثرية وتكاثر الأنشطة والمهرجانات الثقافية، وتشببت الحركة بظهور الحركة داخل الجامعة، وظهرت نخبة بزغ نجمها في مجال السجال العنيف والشرس من أجل فرض نقاش القضية. وطيلة هذه الفترة تفننت الحركة في أسلوب إرسال الرسائل والملتمسات إلى الديوان الملكي والفرق البرلمانية، وتكاثرت الحوارات الوطنية مع أحزاب أقل ما يقال عنها؛ ملحقات استشارية للمؤسسة الملكية ولا يمكن أن تتحرك خارج الخطوط الحمراء التي يرسمها لها القصر.

يجب علينا، نحن مناضلي القضية الأمازيغية، أن نسائل “قادة” و”نخبة الحركة” ماذا جنينا من هذه الفورة “المطلبية” والثقافية التي عمرت عشر سنوات (91/2001)؟ إن قدرا من الأمانة الفكرية والضمير النضالي ضروري للجواب عن هذا السؤال، وهذا ما هو مفتقد حاليا داخل صفوف الحركة، وياللحسرة!. لكن قبل الجواب عن هذا السؤال يجب أن نطرح سؤالا آخر: ما سمة نضال الحركة الأمازيغية؟ وهل من الطبيعي أن ينتهي هذا النضال إلى غير ما انتهى إليه؛ الاندماج بمؤسسة من مؤسسات الملكية (المعهد)، كما اندمج غيرها من الحركات بجملة مؤسسات شبيهة خلقتها الملكية لغايات في نفس يعقوبها؟

سمات نضال الحركة: قيادة ليبرالية لنضال أكاديمي ونخبوي

كل أملي قائم في عدم فهم النقد الموجه إلى الحركة، أو بالأحرى إلى نخبتها، كتجني أو هجوم مجاني؛ بل رغبة صادقة لدفع الحركة إلى أمام. إن أولى المهمات المطروحة علينا نحن مناضلي القاعدة، هو الابتعاد عن النظرة الضيقة تجاه القضية والحركة الأمازيغية. أي النظر إليهما كأنهما مجالين مغلقين وخاصين لا يمكن محاكمتهما بنفس المعايير التي نحاكم بها غيرها من القضايا والحركات المناضلة بالمغرب. إن القيام بهذه المهمة مدخل مهم لتطوير نضال الحركة الأمازيغية بالمغرب.

لاشك أنكم تتذكرون أن انطلاق النضال المطلبي للحركة سنة 1991، قد تصادف مع ما سميا نضالا ديمقراطيا للمطالبة بالإصلاحات الدستورية التي اطلقتها أحزاب الكتلة الليبرالية والمسماة زورا بـ”الديمقراطية”: الاتحاد الاشتراكي،

الاستقلال، التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي. تأثرت الحركة في نضالها المطلبي بما رسخته هذه الأحزاب من تقاليد سياسية تمنع أي محاولة لتجذير النضال وتنمية كفاحيته وطبعت الحركة الجماهيرية بالخمول وتشضي الرؤية. فكما لخصت هذه الأحزاب نضالها من اجل الإصلاحات الدستورية- التي لا تنال شيئا من استبدادية وإطلاقية الحكم الفردي- في التماسات واستجداءات ورسائل للقصر الملكي، اقتفت جمعيات الحركة الأمازيغية نفس الطريق: مطالب متطرفة في الاعتدال معزولة عن باقي اهتمامات الجماهير، وسيلة النضال: رسائل واستجداءات للديوان الملكي (مع الاعتراف التام بحق الملك في الحكم المطلق) والفرق البرلمانية واستجداء الأحزاب لإدماج الأمازيغية في برامجها السياسية، مع اعتدال مفرط في مضمون وصيغة المطالب.

هذا الأسلوب في النضال سيجد أولى مآزقه- آمل أن تتذكروا- في رفض الملكية الأرعن الاستجابة للمطالب الأمازيغية رغم فرط اعتدالها، وهو اعتدال مقصود من طرف قيادة الحركة التي صاغت هذه المطالب بمبرر ان الحاكمين سيستجيبون للمطالب المعتدلة فيما ستفزعهم المطالب الجذرية، وهو مبرر واه فضحه واقع عدم الاستجابة حتى للمطالب المعتدلة. تجلى الرفض في عدم دسترة الأمازيغية في التعديلين الدستوريين 92/96 التي رممت حكم الفرد، ثم عدم إدراجها في مشروع إصلاح التعليم 1995، ثم إقصاء الحركة من اللجنة الملكية للتربية والتكوين وما أثاره مفهوم” الاستئناس” الوارد بميثاق التربية والتكوين من استياء في صفوف مناضلي الحركة.

هذا الرفض المصاحب بتوسع محموم للحركة، جعل قاعدتها تبحث عن بدائل أخرى لذاك الشكل من النضال. وهو ما دفع الحركة في إطار مسايرة سخط القاعدة والمزايدة مع النظام (الذي ألف هذا النوع من المزايدات من طرف الكتلة الليبرالية) إلى الدعوة إلى مسيرة “تاودا” الوطنية بالرباط سنة 1999، جرجرت هذه المسيرة لمدة سنتين دون تنفيذها لأن قيادات الحركة تخاف من تعقيدات الشارع، وهي واعية بأن هذا الشكل من النضال لا يمكن دون الاعتماد على قوى الجماهير الشعبية التي لن تقف في حدود المطالبة بدسترة أو تعليم الأمازيغية.

الاصطدام بجدار الرفض الملكي، وعدم القدرة والخوف من سلوك سبيل نضالي آخر، ثم تفجر الربيع الأمازيغي الثاني بالجزائر 2001، عمق مأزق قيادات الحركة. وبدل البحث عن الحل في النضال الجماهيري إلى جانب الكادحين ومنظماتهم (كما فعل القبايليون)، تعلقت انظار هذه القيادات المشلولة بالخوف من ربيع مغربي على غرار صنوه الجزائري وتفننت في إسداء النصائح للملك لتفاديه، تعلقت انظارها بمبادرات النظام. وقد جاء المعهد كسفينة نوح لإنقاذها.

تلاقت مصالح النظام مع رغبة “قيادة الحركة” في حل توافقي للقضية الأمازيغية. فالنظام الجالس على برميل بارود اجتماعي، والذي يراقب بقلق تفجر أحداث القبايل انطلاقا من مطالب جزئية (لغوية وهوياتية) لتصبح نضالا عاما جارفا من أجل مطالب عامة، يتخوف من بوادر سيناريو أمازيغي كما تخوف من سيناريو إسلامي قبلا.

أعادت الحركة الأمازيغية وبشكل كاريكاتوري مجمل المسار التاريخي لنضال الكتلة الليبرالية: فبعد رفض الملكية الاستجابة للتعديلات الدستورية، وخوف الكتلة من القوة الوحيدة القادرة على فرض الديمقراطية (الطبقة العاملة وفقراء القرى) وهروبها من الميدان الوحيد لهذا النضال (الشارع والمصانع والمزارع..) استسلمت – مبررة موقفها بالخوف من تكرار السيناريو الجزائري- أخيرا لقشة التبن التي رمتها لها الملكية فقبلت بدستور 1996 الأكثر استبدادية من سابقيه والمشاركة في حكومة التناوب، وانقسمت الكتلة ما بين قابل بالدستور والحكومة (الاتحاد والاستقلال) ورافض له (منظمة العمل) مع استمرار الرافضين في نفس المنظور النضالي للكتلة (سياسة الاستجداء والعمل داخل المؤسسات لا خارجها وضمن مشروعية الملكية لا ضدها).

انقسمت الحركة الأمازيغية بدورها ما بين قابل للمعهد سنة 2001 (جل القيادات التاريخية للحركة) ورافض له (الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة) مع استمرار الرافضين في نفس الاستراتيجية النضالية القديمة: عمل نخبوي مقتصر على بعث الرسائل والمذكرات المطلبية، دون أدنى مجهود للانغراس داخل الجماهير والتواصل مع منظماتها.

إن المصير الذي وصلت إليه الحركة، على غير التفسيرات الرائجة في صفوف الحركة (نتذكر الاتهامات والاتهامات المضادة التي تبادلها عصيد والدغرني بجريدة الأحداث المغربية)، لا يجد تفسيره في قلة أمازيغية القابلين بالمعهد او خيانتهم أو حتى تنامي شهيتهم للدخول إلى مؤسسات الدولة، لكن هذا المصير مسجل في جيناتهم ككائنات ليبرالية. أي أن الطبعية الاجتماعية والطبقية لقيادة الحركة هي ما يفسر قبولها بالمعهد وتجميد الطاقات النضالية للحركة بإلغاء مسيرة تاودا والاستنكاف عن أي تضامن ميداني مع انتفاضة القبايل. فجل القيادات منتمون إلى دائرة مثقفي البورجوازية (محامون، جامعيون، وأصحاب مهن حرة) يريدون على غرار أبناء عمومتهم في الكتلة الديمقراطية تحقيق مطالبهم بتوافق مع المؤسسة الملكية لا ضدها، داخل مشروعيتها السياسية ولصالحها لا خارجها .

المعهد توأم المجلس الاستشاري والهيأة و..و..

لا يمكن الحديث عن دور أو حصيلة المعهد دون ربطه بأشباهه من مؤسسات أحدثتها الملكية لغاية حل قضايا مجتمعية مطروحة على جدول أعمال النضال بالمغرب. لقد أحدثت الملكية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وبعده هيأة جبر الضرر وخليفتها هيأة الإنصاف والمصالحة في عز تنامي المطالبة بحل ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وقبل هذا مجلس الشباب والمستقبل والسيوب ولانابيك ومبادرات التكوين الاندماجي والتشغيل الذاتي لمواجهة حركة المعطلين. ثم اللجنة الملكية لإصلاح مدونة الأحوال الشخصية في مواجهة جمعيات الحركة النسائية، كما يجب استحضار مجالس الجامعات لتحييد الشباب الجامعي. وقبل هذا وذاك حكاية الحوار الاجتماعي مع الحركة النقابية.

إن الغاية من إحداث هذه المؤسسات واضحة ولا يجب أن يخفيها عنا نفاق العاجزين: تظاهر الملكية بتحقيق مطالب شعبية مع إفراغها من مضمونها التقدمي والكفاحي واستغلالها للحفاظ على مصداقية للمؤسسة الملكية لا تني عن التناقص والخفوت. إن قيادة الحركة الأمازيغية كانت واعية بهذه الحدود ورغم ذلك خدعت القاعدة المناضلة ومعها الشعب المغربي بقبولها المعهد وترحيبها بالمبادرة السامية إلى غيرها من العبارات الجميلة التي أطلقتها صحافة الحركة آنذاك، ولا صوت سجل ضد التيار، باستثناء شلة صغيرة داخل المؤتمر الثامن لتامينوت وتعرضت للطرد لتأسس بعد ذلك الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة.

لقد أظهر قبول الحركة بالمعهد، الملك بمظهر الملك ذو النصف الأمازيغي المنسجم تاريخيا مع نصفه العربي، والحامي للأمازيغية والغيور على تنميتها والنهوض بها على عكس اللوبيات العروبية المعششة في الوزارات والدوواوين (مداخلة الأستاذ الجليل حنداين محمد “حليق الذقن” في لجنة القانون الأساسي بالمؤتمر الثامن لتامينوت). وتناسلت المقالات الداعية إلى تعضيد جنابه العالي بالله ومحاربة اللوبيات العروبية. لكن في الجانب الآخر لاحظنا تشتتا كاملا وشللا تاما للحركة الأمازيغية: التشتت التنظيمي للجمعيات الأمازيغية وظهور عدة مبادرات حزبية لا فرق جوهري بينها وانعزال الحركة بالجامعة مع ما لذلك من آثار سلبية.

هذه النتيجة التي نعتقد أننا نتفق وإياكم على أنها مخزية، لايعتبرها “قادتنا” ونخبتنا “المناضلة” كذلك. فهذا أحمد عصيد- الفتى المدلع للحركة- الذي سخر كل قدراته البلاغية والسجالية ليهزم شر هزيمة أولئك المترددين في قبول المعهد، واستعمل قدراته كأستاذ للفلسفة ليستنبط البراهين المنطقية لقبول المعهد وجعله النهاية المنطقية والحتمية لنضال الحركة. يقول هذا المثقف الليبرالي النموذجي: “يمكن القول أن من إيجابيات هذه المرحلة، رغم كل المفارقات الموجودة، أن الأمازيغية انتقلت من الصراع في الشارع بين الحركة الأمازيغية والأحزاب، إلى صراع داخل دواليب الدولة وداخل المؤسسات وهذا الصراع هو الذي سيسمح للأمازيغية بأن تأخذ مكانها مستقبلا”. إن هذه المقطوعة الموسيقية الرائعة تحوي كل عناصر النظرة الليبرالية التاريخية التي أودت بنضال الجماهير إلى التهلكة: العمل على خرط نضال الجماهير داخل مؤسسات الدولة باعتباره المكان الطبيعي للعمل السياسي والهروب من النضال الجماهيري بـ”الشارع”، بعد الدخول إلى هذه المؤسسات تتحول إلى غاية بذاتها ويضحى بالمطالب والأهداف التي أريد استعمال المؤسسات من أجلها؛ وهو ما أشار إليه عصيد بعبارات “رغم كل هذه المفارقات الموجودة”. أي أن الهدف الأساسي هو نقل النضال “داخل دواليب الدولة” أما عراقيل إنصاف الأمازيغية “المفارقات” فتدليلها يجب أن يكون داخل هذه الدواليب لا خارجها.

المعهد مؤسسة استشارية

نقاش السياق العام، لن يثنينا عن إبداء مجموعة من الملاحظات حول طبيعة المعهد. هذه المؤسسة التي أنشأها الملك بظهير مقلصا صلاحيته إلى مجرد ديوان لإبداء الرأي والمشورة وفقا لمقولة “وأمرهم شورى بينهم”. كما حرم المعهد من استقلاليته المالية والإدارية والعلمية فجميع القرارات مرهون تنفيذها بمصادقة الملك عليها، ما فرض حدودا على هذه المؤسسة منذ البداية، وكان النقاش الذي اطلقه البعض داخل الحركة حول ترك الموقف من المعهد حتى تظهر نتائجه موقفا مخادعا ومنافقا.

هذه المؤسسة المحدثة طبقا لأكثر الفصول إثارة للاستياء في دستور الاستبداد الفردي، أي الفصل 19، لم تكن لها أية قوة إلزامية لفرض قراراتها فعملها إلى جانب الحكومة كان محكوما بمقاربة تشاركية لا تلزم الحكومة بتنفيذ مقتضيات اللاتفاقات.

يجب التذكير بأن المعهد كان الأخ المغربي للمحافظة السامية للثقافة الأمازيغية المنشأة سنة 1995 بالجزائر وفق مرسوم رئاسي، لكنها بقيت دون فاعلية لأن الحركة هناك آثرت الحفاظ على كفاحيتها واستقلاليتها وفضلت الصراع بالشارع “الذي سيسمح للأمازيغية بأن تأخذ مكانتها مستقبلا” على العمل “داخل دواليب الدولة” لتدليل “كل هذه المفارقات الموجودة”. إن الحكم بالمغرب قد استنتج العبر من الحركة بالجزائر فيما قادة الحركة الأمازيغية بالمغرب يحاولون جاهدين منع انتقال “عدواها” إلى المغرب.

ماذا عن الحصيلة؟

“أكد عميد المعهد بأن سيرورة إعادة الاعتبار الفعلي للثقافة الأمازيغية والنهوض بها في المؤسسات العمومية وفي المجتمع المغربي ما زالت تعاني من العديد من العراقيل بالرغم مما تحقق من تقدم منذ إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

المعيقات:

– الفراغ القانوني فيما يتعلق بالحماية القانونية للحقوق اللغوية والثقافية على المستويين الدستوري والمؤسساتي

– عدم تحقيق التدابير الكفيلة بإدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية وبضمان الإشعاع للأمازيغية في الفضاء الاجتماعي والثقافي والإعلامي، وطنيا وجهويا ودوليا

ولخص المعيقات التي تعاني منها مسألة إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية في ما يلي:

= بطء تطور عدد المدارس وتوزيع الكتاب المدرسي الأمازيغي وتكوين الأطر في المراكز المختصة،

= بطء إدماج الأمازيغية في القنوات التلفزية العمومية بالرغم من مقتضيات دفاتر تحملات كل من الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة صورياد دوزيم،

= إدماج الأمازيغية لم يتحقق في المؤسسات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة وخاصة منها المعاهد الموسيقية والمهرجانات الثقافية وتنظيم جائزة الكتاب وجوائز الفنون من أغنية ومسرح وسينما.

وفي معرض إشارته إلى باقي المعيقات التي تعوق دون تحقيق الأهداف المرسومة من أجل تحقيق إدماج فعلي للأمازيغية في الحياة العامة، أشار بوكوس إلى:

– غياب الحماس لدى الطبقة السياسية ولدى شريحة واسعة من المجتمع المدني وذلك لانعدام تصور استراتيجي مدمج للرهانات الثقافية للتغيير السوسيو سياسي،

– النقائص الهيكلية للمعهد والتي يبقى أبرزها: الاختلالات التي تحد من نجاعة عمل مجلس الإدارة ومن دوره كهيئة توجيه ومراقبة وكقوة فاعلة،

– ثقل إرث مشاكل التدبير الإجرائي على عمادة المعهد وكبحه لمهام التدبير الاستراتيجي،

– النقص في الكفاءات العالية من الموارد البشرية المرصودة لمهام الإدارة والبحث مما يحول دون فعالية ونجاعة إنجاز برامج عمل المعهد.”

يرجع هؤلاء هذا التخلف إلى غياب الإرادة السياسية لدى الحكومة وعدم التزامها بمقتضى الاتفاقيات الموقعة مع المعهد. إن الاتحاد الاشتراكي أيضا بعد وقوعه في شرك حكومة التناوب على خدمة المستبدين، استحضر نفس المبررات لاسكات من انتخبوه: إكراهات العمل الحكومي، وجود لوبيات تعرقل العمل الإصلاحي للحكومة، الحزب السري، إلخ من الترهات. ألا يعرف هؤلاء المنخرطين في المعهد أن الحكومة بالمغرب مجرد واجهة لحكومة الظل التي يرأسها الملك، ألم يطلعوا ولو مجرد الإطلاع على فصول الدستور. فالملك هو كل شيء، هو الأول والآخر والظاهر والباطن منه المبتدأ وإليه المنتهى؛ فهو حامي الملة والدين والممثل الأسمى للأمة ومعين الحكومة ومفتتح جلسات البرلمان وخطبه غير قابلة للرد والنقاش وله أن يعلن حالة الحرب والاستثناء ويعفي الحكومة من مهامها وكذلك البرلمان.. وهو على كل شيء قدير. إن مؤسسة الملك هي من يجب أن يوجه إليها أصبع الاتهام فيما آلت إليه الأمازيغية حتى بعد تأسيس المعهد.

يبقى في الأخير أن نتسائل عن ضرورة الدخول إلى المعهد، إذا كنا سنأتي بعد ست سنوات ولحظة جرد الحصيلة، لنعيد رسم نفس الصورة التي رسمها ميثاق أكادير عن وضعية الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية وناضل ضدها من يقبعون الآن في المعهد، ونرفع نفس المطالب التي رفعها هذا البيان منذ 1991: أي الدسترة (غياب الحماية القانونية كما أشار بوكوس أو بلغة ليبرالية غياب الحماس لدى الطبقة السياسية؛ كأننا في مباراة كرة القدم) والتعليم (العراقيل التي تواجه دمج الأمازيغية كما أشار محمد الشامي: عضو المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومنسق اللجنة المشتركة بين المعهد ووزارة التربية الوطنية) والإعلام (ضرورة محاربة معيقات دمجها في التلفزة الوطنية كما أشار محمد صلو: الباحث بالمعهد، وعضو اللجنة المشتركة بين المعهد ووزارة الاتصال).

لماذا وجدنا إذن انفسنا حيث وضعنا ميثاق أكادير 1991: نفس الوضعية ونفس المطالب؟ السبب بسيط : فكما بقي عمل هذه النخبة حبيس دهاليز والمكاتب المكيفة للمعهد، فإن هذه المنجزات بقيت هي أيضا حبيسة الرفوف في خزانات وذاكرات حاسوبات المعهد، ولخصت المنجزات في مجالات ثانوية لم تتعدى الجانب الأكاديمي الذي أعطى فيه مثقفو الحركة منذ نهاية 60 أكثر مما أعطى المعهد الآن:

– النهوض بالبحث الأساسي في مجالات الأدب والفنون واللغة والتاريخ والأنتروبولوجيا،

– النهوض بتعليم الأمازيغية بتنسيق مع وزارة التربية الوطنية عبر إنتاج الأدوات الديداكتيكية لفائدة مختلف مستويات التعليم الابتدائي وإنتاج مصوغات للتكوين المستمر والتكوين الأساسي لفائدة الأطر التربوية والمساهمة في تكوين عدد كبير من مفتشي وأساتذة اللغة الأمازيغية حيث عمل المعهد على تكوين ما يناهز 264 مفتشا و 2122 أستاذا و98 مكونا لمراكز تكوين المكونين ما بين 2003 و2006، من خلال دورات تكوينية بلغ عددها 120 دورة أطرها باحثو المعهد، – تنميط وتقعيد وترقيم حرف “تيفيناغ”

– معيرة اللغة الأمازيغية،

– ترجمة مؤلفات وازنة من وإلى الأمازيغية، حيث بلغ عدد منشورات المعهد ما يناهز 60 مؤلفا في مختلف حقول المعرفة،

– الإسهام في توطيد مكانة الأمازيغية في مجال الاتصال المكتوب والسمعي والمرئي بتعاون مع وزارة الاتصال، –

– إقامة وترسيخ علاقات التعاون مع مختلف المؤسسات داخليا وخارجيا،

– المساهمة في التنمية البشرية من خلال عمليات لفائدة النسيج الجمعوي وقطاعات الإعلام والإبداع والبحث.

إن هذه المنجزات التي يتشدق بها مدير المعهد ليبيض صفحته ويجمل المؤسسة الملكية تندرج في إطار لعبة الأخذ والعطاء بين المؤسسة الملكية ونخبة الحركة الأمازيغية، أي أنها الثمن الذي تلقاه- إلى جانب الرواتب العالية- هؤلاء مقابل تجميد نضال الحركة ورهنه بتوجيهات المعهد. نقول لقادتنا ونخبتنا ألا يتبختروا علينا بهذه “المنجزات” التافهة، فنحن لن نرضى عن مطالبنا الكلية بديلا: الدسترة في دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا يضعه مجلس تأسيسي منتخب، وتعليمها في تعليم شعبي وديمقراطي وعلماني، ودمجها في إعلام ديمقراطي يضمن حرية التعبير. ثم إن هذه المنجزات هي ثمن بخس مقابل خدمة جلية أداها هؤلاء للملكية.

عندما لا يستطيع الشعب حل إحدى المهام الديمقراطية بطريقة ثورية مباشرة، فإن الطبقة الحاكمة- تحت ضغط الأحداث الكبرى- تتولى ذلك لكن بطريقة قاسية وأليمة وتدرجية تفرغ تلك المهمة من كل مضمون تقدمي تاريخي. وهذا ما وقع مع حكاية المعهد. فبعد ست سنوات من إحداثه، لا شيء تحقق، ويا للهول!.

أي بديــل؟

لا زال قادتنا وبعد كل هذا الخزي يصرون على سلوك نفس السبيل الملتوي العديم الفائدة. فهذا مثقفنا المدلل مرة اخرى عصيد يؤكد على أن “مشكلة الأمازيغية في اعتقادي، هي الحاجة إلى حوار وطني يسمح للرؤى والتصورات أن تتقدم إلى الأمام لكي لا يبقى هناك تصور مستقبلي في صراع مع تصور ماضوي”. إن هذا الفيلسوف الليبرالي جدا جدا؛ هذا العصيد المثقف ينطبق عليه المثال الذي شبه به عابد الجابري يوما “المثقف- النعامة”، لا زال يتصور أن تحقيق المطالب يتم بالنقاش والحوار، كما يحل مسألة فلسفية مع التلاميذ في القسم، وكل هذا اللغو لا يعني سوى أسطورة التوافق الوطني بين المؤسسة الملكية والقوى الحية بالبلاد. هذا المنظور الذي يتصور الصراع القائم بالمجتمع صراعا ليس بين الطبقات، بل صراعا بين تصورات ينتهي بإحلال التصور الأقوى بالحوار والنقاش، على غرار باراديمات طوماس كوهن أو إبيستيمات ميشيل فوكو. .

إن طريق النضال الحقيقي والكفيل بتحقيق مطالبنا واضحة، قد رسمها القبايليون بدمائهم في ربيع 2001، ولا تحتاج سوى استخلاصها وملائمتها مع الواقع المغربي. لكن قادتنا في الحركة يستخلصون الدروس الملائمة لمصالح الملكية الآنية، ومصالح استقرار النظام الاقتصادي والاجتماعي التاريخية، ما يطلقون عليه استقرار البلاد. لقد آن الآوان لتتحرك قاعدة الحركة الخاملة و تأخذ زمام أمرها بنفسها، وتحاسب المخادعين القابعين في القاعات المكيفة لمقر المعهد وينعمون بتعويضات خيالية عن مهمتهم المخزية. ولنتذكر أن الخطابي لم يواجه الاستعمار بإرسال الملتمسات إلى الإقامة العامة أو بالحوارات الوطنية.

والنضال من أجل الأمازيغية والديمقراطية وراء القصد

أمداكل

التوجه الأمازيغي الكفاحي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: